مجمع البحوث الاسلامية
463
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
في كلّ زمان لفهم تشريع الشّارع ومقصده من التّشريع ، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التّشريعيّة . ولو صيغ لهم التّشريع في أسلوب سهل التّناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة . من أجل هذا كانت صلوحيّة عباراته لاختلاف منازع المجتهدين ، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم ، تبعا لاختلاف مراتب العصور . فإذا علمت هذا ، علمت أصل السّبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن . وبقي أن نذكر لك مراتب التّشابه وتفاوت أسبابها ، وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب : أولاها : معان قصد إيداعها في القرآن ، وقصد إجمالها : إمّا لعدم قابليّة البشر لفهمها ، ولو في الجملة ، إن قلنا بوجود المجمل ، الّذي استأثر اللّه بعلمه على ما سيأتي ، ونحن لا نختاره . وإمّا لعدم قابليّتهم لكنه فهمها ، فألقيت إليهم على وجه الجملة ، أو لعدم قابليّة بعضهم في عصر ، أو جهة ، لفهمها بالكنه . ومن هذا أحوال القيامة ، وبعض شؤون الرّبوبيّة ، كالإتيان في ظلل من الغمام ، والرّؤية ، والكلام ، ونحو ذلك . وثانيتها : معان قصد إشعار المسلمين بها ، وتعيّن إجمالها ، مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات ، كحروف أوائل السّور ، ونحو : الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى طه : 5 ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ البقرة : 29 . ثالثتها : معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللّغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها ، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرّب معانيها إلى الأفهام ، وهذا مثل أكثر صفات اللّه نحو الرّحمان ، الرّؤوف ، المتكبّر ، نور السّماوات والأرض . رابعتها : معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور ، وأودعت في القرآن ، ليكون وجودها معجزة قرآنيّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النّظميّ ، نحو قوله : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها يس : 38 ، وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ الحجر : 22 ، يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهارِ الزّمر : 5 ، وَتَرَى الْجِبالَ تَحْسَبُها جامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحابِ النّمل : 88 ، تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ المؤمنون : 20 ، زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ النّور : 35 ، وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ هود : 7 ، ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فصّلت : 11 ، وذكر سدّ يأجوج ومأجوج . خامستها : مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب ، إلّا أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب اللّه تعالى ، لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهيّة ، وتوقّف فريق في محملها تنزيها ، نحو : فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا الطّور : 48 ، وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ الذّاريات : 47 ، وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ الرّحمن : 27 . وسادستها : ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الّذين نزل القرآن بينهم : قريش والأنصار ، مثل : وَفاكِهَةً وَأَبًّا عبس : 31 ، ومثل : أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ النّحل : 47 ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ التّوبة :